مجمع البحوث الاسلامية
154
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الشّياطين اليوم من ذرّيّته ، فهو كنوح في الإنس ، احتجّوا بهذه الآية ، وتعنيف إبليس على عصيانه يقتضي أنّه أمر مع الملائكة . وقالت فرقة : إنّ الاستثناء متّصل ، وإبليس من قبيل الملائكة خلقوا من نار ، فإبليس من الملائكة ، وعبّر عن الملائكة بالجنّ من حيث هم مستترون ، فهي صفة تعمّ الملائكة والشّياطين . وقال بعض هذه الفرقة : كان في الملائكة صنف يسمّى الجنّ ، وكانوا في السّماء الدّنيا وفي الأرض ، وكان إبليس مدبّر أمرهم . ولا خلاف أنّ إبليس كان من الملائكة في المعنى ؛ إذ كان متصرّفا بالأمر والنّهي ، مرسلا . ( 3 : 521 ) العكبريّ : ( كان من الجنّ ) في موضع الحال ، و « قد » معه مرادة . ( 2 : 851 ) البيضاويّ : كانَ مِنَ الْجِنِّ حال بإضمار « قد » أو استئناف للتّعليل ، كأنّه قيل : ما له لم يسجد ؟ فقيل : كانَ مِنَ الْجِنِّ . ( 2 : 16 ) أبو حيّان : قالت فرقة : كان إبليس وقبيله جنّا ، لكن الشّياطين اليوم من ذرّيّته ، فهو كنوح في الإنس . ( 6 : 136 ) الشّربينيّ : قيل : هم نوع من الملائكة ، فالاستثناء متّصل . وقيل : هو منقطع وإبليس أبو الجنّ ، فله ذرّيّة ذكرت معه بعد ، والملائكة لا ذرّيّة لهم . ( 2 : 384 ) الآلوسيّ : [ نقل الأقوال الماضية وأضاف : ] قيل : هو من الملائكة ، ومعنى ( كان من الجنّ ) صار منهم بالمسخ . وقيل : معنى ذلك أنّه عدّ منهم لموافقته إيّاهم في المعصية ؛ حيث إنّهم كانوا من قبل عاصين ، فبعثت طائفة من الملائكة عليهم السّلام لقتالهم . وأنت تعلم أنّه يشقّ الجواب على من ادّعى أنّ إبليس من الملائكة مع دعواه عصمتهم ، ولا بدّ أن يرتكب خلاف الظّاهر في هذه الآية ، نعم مسألة عصمتهم عليهم السّلام خلافيّة ولا قاطع في العصمة ، كما قال العلّامة التّفتازانيّ . وقد ذكر القاضي عياض أن طائفة ذهبوا إلى عصمة الرّسل منهم والمقرّبين عليهم السّلام ، ولم يقولوا بعصمة غيرهم . وإذا ذهب مدّعي كون إبليس من الملائكة إلى هذا لم يتخلّص من الاعتراض إلّا بزعم أنه لم يكن من المقرّبين ، ولا تساعده الآثار على ذلك . ويبقى عليه أيضا أنّ الآية تأبى مدّعاه ، وكذا لو ذهب إلى ما نقل عن بعض الصّوفيّة : من أنّ ملائكة الأرض لم يكونوا معصومين ، وكان إبليس عليه اللّعنة منهم . ( 15 : 293 ) المراغيّ : أي إنّ الّذي منعه من السّجود أنّه كان جنّيّا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة ، مغمورا بينهم ، متّصفا بصفاتهم ، بدليل أنّه قال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف : 12 ، ولأنّه تعالى أثبت له في هذه الآية ذرّيّة ونسلا ، والملائكة لا ينسلون ، ولأنّ الملائكة لا يستكبرون ، وهو قد استكبر . ويرى قوم أنّه كان من الملائكة ، بدليل أنّ خطاب السّجود كان معهم ، ولأنّ وصف الملائكة بأنّهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ، دليل على أنّه يتصوّر منهم العصيان ، ولولا ذلك ما مدحوا به ، لكن طاعتهم طبع ،